الخميس، 28 أغسطس، 2008

الارتقاء الحضاري والأصولية الدينية


يطلب منا الأصوليون السنه والشيعة أن نقتنع بان لولا حراستهم للدين، وهم في الحقيقة يقصدون تصورهم الخاص للدين وتصورهم الخاص لتاريخيته، ستعود البشرية إلى قرون من الزمن الغابر وستهدم كل ما طورته البشرية من مبادئ أخلاقية واجتماعية، وتعود البشرية من جديد إلى "شرع الغاب" او "شرع الجاهلية" الذي ألغاه الدين. المقولة السابقة المراد منها إثارة والحديث عن موضوعين: (1) الصفة التاريخية للفعل البشري وتطوره وعلاقته بتاريخ الإسلام السياسي؛ (2) التطور الحضاري البشري في الكويت خاصة.

هنا يتوجب من البداية تعريف مصطلح "بشري"—للأسف—بان المقصود به البشر بصيغة الجمع ويحتوي هذا التعريف الكائن البشري أيا كان اعتقاده او نوعه او عرقه. وأيضا، يتوجب تعريف مصطلح "الصفة التاريخية" بان المقصود به الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، أي العوامل البشرية التي كانت قائمة حال انبعاث وانتشار واستقرار وهيمنة وتحور وتطور وتغير وعجز واندثار أي مشروع إنساني. مع العلم بان ليس من الضروري وجود او وجوب هذا التسلسل أساسا، فالمقصود بالتاريخية هي مجموع التفاعلات البشرية التي شكلت وتشكل تاريخ المشاريع البشرية أيا كانت.

وللعودة لموضوعنا، الإسلاميون السياسيون السنه والشيعة لا يقبلون على ما يبدوا الاعتراف بأي صيغه من الصيغ العديدة للتاريخية، إذ التعريف السابق ليس الوحيد بل هناك تعريفات أخرى لمفهوم تاريخية الفعل البشري الحضاري. وهنا يتضح سعي الإسلاميين السنه والشيعة على استلام والسيطرة على آليات صنع القرار، ظنا منهم انه السبيل الوحيد لحراسة القيم والأخلاق والدين، ويفرضون عمليا على باقي الشعب اعتقاداتهم وتصوراتهم الخاصة للدين بالشرعية المكتسبة دستوريا. فالبرلمان والانتخابات مدنيان أصلا وتنظيميا، فهي من بعض نتاج التطور الحضاري البشري في الكويت.

ولكن ما هو الأخطر: الإسلاميون السنه والشيعة لا يعترفون بتاريخية الإسلام. إذ يتضح للقارئة او القارئ المهتم بتاريخ الإسلام السياسي وجود طوائف ومذاهب وطرق عديدة حملت وتحمل اسم الإسلام تاريخيا وأيضا الصراعات الدموية التي جرت بينها لحجج دينية سياسية تمحورت حول ما هو الإسلام "الصحيح" و"شرعية" نظام الحكم او الحاكم، اذ يصعب وبل يعجز الإنسان الباحث عن الغور في صدور الخلق، عن ماهية إيمانياتهم ونواياهم، لهذه الفرقة او تلك. وأيضا لا يخفى على كويتية او كويتي وجود السنه والشيعة، مع العلم بوجود طوائف ومذاهب وديانات واعتقادات أخرى في الكويت وإن شكلت أعدادا رمزية من مواطني الكويت. الخطورة في تلك التصورات لدى السنه السياسيين والشيعة السياسيين، هي تكريس النعرة والتحجر الطائفيان، إذ هي الآن حاضرة في التفاعلات السياسية الكويتية من البرلمان إلى مجلس الوزراء ومجلس البلدية وتقسيمات الدوائر الانتخابية...الخ. ولكن هل يدوم الحال هادئ وسلس ومستقطب أحيانا؟ او هل الاستمرار في هذا المسار مدعى للقلق لما نراه ونقرؤه من أحداث في لبنان والعراق مثلا. هل نستمر في تاريخية لا سبيل لها إلا لإعادة "الفتنة" والتباغض المذهبي والتكفير وتحليل القتل إذا ما فشل الوضع السياسي الطائفي القائم؟ هل ننتظر يوما توقع الطوائف في الكويت أوراق تعايش سلمي او اتفاقيات مصالحة وطنية؟ وماذا عن "المواطنه" المدنية هل نسيناها؟ لأنها هي الضحية العملية لمزج والدمج الكامل للدين والسياسة، إلى جانب ما هو أهم: الدولة المدنية ككيان تنظيمي اجتماعي، وشرعية النظام الحاكم، والأمن العام طبعا. (وداعا يا كويت وأهلا يا "طائفيستان").

المشكل هنا الدمج والمزج الكامل للدين في السياسية وتأثيرات وعواقب المشروعات الإسلامية السياسية السنية والشيعية علي حرية الاعتقاد والحريات الحياتية العامة لكل شخص او جماعه (مثال: منع الاختلاط بين الجنسين)، بالإضافة إلى جعل الهوية الطائفية أساس الاشتراك بالعمليات السياسية (مثال: نتائج الانتخابات الأخيرة)، مما يعمل في المقابل على تهميش وإقصاء المواطنه المدنية كهوية اجتماعية وسيكولوجية، وهي أهم شرعية لوجود أي نظام سياسي مستقر داخليا. المزج والدمج الكامل للدين في السياسة أليس باب للمشاكل والكوارث؟ وبالذات إذا استمر العمل على استكمال تطبيق أحكام "الشريعة" (الشريعة حسب الفهم السني او الشيعي؟!). هنا يتساوى الوسطي المعتدل بالتكفيري المتعصب، إذا ما لم نفصل الدين عن السياسة في وجود التنوع والاختلاف، إذ كل طائفة تقوم على سن قوانين حسب فهمها الخاص للدين وتاريخيته، مادام هناك تنوع واختلاف مذهبي وطائفي فلا سبيل للاتفاق السياسي لما هو "شرعي" دينيا (مثال: تعديل مادة التربية الإسلامية والجدل الناتج بين بعض أعضاء البرلمان).

لننسى الاعتقادات المثالية عن "الشخصية الكويتية المسالمة" و"النسيج الوطني الكويتي المتماسك"، نحن لسنا استثناء كوني او صدفه تاريخية، لذلك علينا الاستفادة من تجارب الغير وتاريخنا الذاتي.

هنا اطرح تساؤلين: هل سيعود الكويتيون إلى "شرع الغاب" او "شرع الجاهلية" اذا فصلوا الدين عن السياسة؟ او هل سيعود الكويتيون إلى "شرع الغاب" او "شرع الجاهلية" اذا استمروا في إدماج الدين في السياسة؟

الجواب على التساؤل الأول: لا لن يعود الكويتيون إلى "شرع الغاب" او "شرع الجاهلية" اذا ما فصلوا الدين عن السياسة. الجواب على التساؤل الثاني: لا ادري ولكن واقع الحال وتاريخ الإسلام السياسي لا يدعوان إلى تفاؤل.

هناك 5 تعليقات:

MaCHBoS يقول...

عزيزي انظر الى الدول التي فصلت الدين عن السياسه الى اين وصلت و كيف كانت انها الطامه الكبرى ان يتحكم الدين بالدوله يرجعها الى ايام الجاهليه

حـمد يقول...

اتمنى لك التوفيق في عالم التدوين

بالنسبة للسؤال الثاني , اعتقد بأن الاجابة عليه باتت واضحة اليوم , نعم عدنا الى شرع الجاهلية بسبب خلط المذاهب التي تحولت الان الى اديان وتحول الصراع المذهبي الى صراع ديني والدليل كما تفضلت موجود وواضح بنتائج الانتخابات الاخيرة فكل من ازداد بالتشدد زاد معه تقدمه بالمراكز واصبحت اغلبية الاصوات تنصب الى اكثر الناس تعصبا .

تحية لك

zaradacht يقول...

بوست رائع وتحليل أروع
بالنسبه لتعايش السنه والشيعه بالكويت للأسف قام كل طرف ينظر للآخر بعين الشك والريبه من ناحيه الفرائض واثبات الوجود.
فالسنه يريدون أسماع الشيعه بأنهم الأكثر تعدادآ والدوله لابد أن تسير بخط المذهب السني وألغاء كل ماهو يمت للشيعه بصله.
أما الشيعه فألى اليوم يرون انفسهم بأنهم طائفه مضطهده ولا تستلم المناصب الرسميه ويغضون النظر عن المناصب الحكوميه ؟؟ شئ غريب من الطرفين بصراحه.
لكن هناك شئ مشترك بينهم ووفقت يا عزيزي بذكره هو هدفهم بألغاء الحريات الشخصيه بأسم الدين والتسلط على رقاب الناس بأسم الدين.
لكن كل طرف بصراعه يلوي التاريج لوي لمصلحته الشخصيه وما يخدم مذهبه

ويحاولون ضرب التيارات العلمانيه بالكويت او من ينادي فيها بانه كافر وصاحب فكر منحل ويريد الفسق والفجور وعظائم الامور بالكويت والناس تصدق هذه الاشياء اما خوفآ من عقاب الآخره او عدم معرفه بالمصطلحات الغربيه
وبالنهايه تاكد يا عزيزي ان الطرفين يقتاتون على الصراع المذهبي ليعيشوا من ورائه وينعموا بالمناصب والخيرات

ملاحـظـة يقول...

مبروك المدونه
شكلي راح اتابع بحماس

M.A.H يقول...

اسم مدونتك رائع....اهنئك بحق....

ينطبق على المحتوى تمامأ....؟؟؟؟